فوزي آل سيف
80
فقه العلاقات الاجتماعية
فأساس بقاء المجتمع هو «المودة» و لكن قد يحتاج إلى الخدمات بلا عوض، فهو الإيثار و الرحمة[238]. وأما المفسر محمد بن طاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير ، فقد ذكر في ذيل الآية ما يلي : .. وهي آية تنطوي على عدة آيات منها: أن جعل للإنسان ناموس التناسل، و أن جعل تناسله بالتزاوج و لم يجعله كتناسل النبات من نفسه، و أن جعل أزواج الإنسان من صنفه و لم يجعلها من صنف آخر لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف، و أن جعل في ذلك التزاوج أنسا بين الزوجين و لم يجعله تزاوجا عنيفا أو مهلكا كتزاوج الضفادع، و أن جعل بين كل زوجين مودة و محبة فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، و أن جعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعد التزاوج متحابين، و أن جعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة و الأمومة، و لأجل ما ينطوي عليه هذا الدليل و يتبعه من النعم و الدلائل جعلت هذه الآية آيات عدة في قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وهذه الآية كائنة في خلق جوهر الصنفين من الإنسان: صنف الذكر، و صنف الأنثى، و إبداع نظام الإقبال بينهما في جبلتهما. و ذلك من الذاتيات النسبية بين الصنفين. و قد أدمج في الاعتبار بهذه الآية امتنان بنعمة في هذه الآية أشار إليها قوله لَكُمْ أي لأجل نفعكم[239] وأما الآية الثانية : (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) ، فبالنظر إلى استعمالات القرآن الكريم لكلمة لباس نجد أنه قد تحدث عن أن الليل لباس ، وعن أن التقوى لباس ، وأن الزوجين لباس لكل منهما . كما تحدث عن لباس الجوع والخوف ، وأن الشيطان ينزع عن آدم وزوجه لباسهما . لا بد أن نلاحظ أن اللباس له أدوار متعددة بالنسبة للإنسان : فمنه دور الحماية عن الحر والبرد ولسع الحشرات , ومنه دور الستر لعورته عن نظر الآخرين ، ومنه أنه زينة ( ورياش ) . وهو في كل ذلك ملابس للابسه وملاصق له . وبالنظر إلى تشبيه كل من الزوجين أنه لباس للآخر ، يتبين أن الزوج يشكل ضمانة لحماية زوجه الآخر من الانحراف الذي منشؤه الغريزة الجنسية ، فإن إشباعها من خلال الحلال يجعل الفرد يستغني ـ غالباً ـ عن الحرام ، ويحتمي بها . كما أن هذه الجهة تنتهي إلى ستر الزوجين عن ظهور شهواتهما في غير مواضعها ، فيستر الزوج على زوجته وهي على زوجها .ولعل هذا ملحوظ في الوسط الاجتماعي بنحو واضح ، اعني به ارتباط الستر بالزواج ( في الطرفين ) . وهو أيضا زينة ، فالفرد المتزوج في المجتمع بما يمثله من بداية مشروع أسرة ، يتحمل مسؤولية إضافية ، ويعامل في هذا المجتمع معاملة خاصة ، وينظر إليه باعتباره فردا ناضجا ومفيدا . والزوجان لشدة قربهما من بعضهما واختلاطهما يغطي أحدهما الآخر ، ويلاصق أحدهما الآخر ، فيكون كاللباس بالنسبة له . ولأجل الموقع الذي تحتله العلاقة الزوجية ، والتي تتمثل في أن كلا من الزوجين لباس للآخر ، كان الشيطان يسعى لكي ( ينزع عنهما لباسهما ) من خلال كونه ( يأمركم بالفحشاء ) . شيء عن حقوق الـزوج والزوجـة " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أنفقواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ "النساء (34)
--> 238 ) 12 / 97 239 ) 21/ 33